عبد الرزاق اللاهيجي

51

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

منعنا ان يكون ماهية الشيء توجد في الأعيان مرة عرضا ومرة جوهرا حتى يكون في الأعيان يحتاج إلى موضوع ما وفيها لا يحتاج إلى موضوع ما البتة ولم يمنع ان يكون معقول تلك الماهية يصير عرضا اى تكون موجودة في النفس لا كجزء منه وقال أيضا في قاطيغورياس الشفا فاذن الاشخاص في الأعيان جواهر والمعقول الكلى أيضا جوهر إذ صحيح عليه انه ماهية حقها في الوجود في الأعيان ان لا يكون في الموضوع ليس لأنه معقول الجوهر فان معقول الجوهر ربما يشكّك في امره فظنّ به انه علم وعرض بل كونه علما امر عرض لماهيته وهو العرض واما مهيته فماهية الجوهر والمشارك للجوهر بمهيته جوهر ثم قال فكليات الجواهر جواهر في ماهياتها انتهى كلام الشفا وينطبق أيضا على ما ذكرنا ما نقل عن بعضهم من أن العلم باعتبار كيفية وباعتبار من مقولة المعلوم انتهى فالاعتبار الّذي به كيفية هو قيام الصورة العلمية بالذهن ومحفوفيتها بالعوارض الذهنية والاعتبار الّذي به من مقولة المعلوم هو اعتبار تلك الصورة من حيث إنها مطابقة لما اخذت منه وحصلت عنه في الذهن وبالجملة فالحاصل ان مغايرة الأمر الأول والامر الثاني في كلام الفارق بين الحصول والقيام انما هي مغايرة الماهية من حيث هي مع ما هو فرد لها فإنهما متحدان لا محالة بالذات والوجود ومتغايران بالاعتبار كيف ولو كانا متغايرين بالذات لكان ذلك هو القول بالشبح والمثال بل جمعا بين المذهبين ولم يقل به أحد فقيام الفرد بالموضوع مستلزم لقيام الماهية به وممّا يجب ان يعلم أن وجود الصورة العلمية في الذهن وقيامها به انما هو وجود ذهني للمعلوم الّذي هو ذو الصورة وليس هو وجودا ذهنيا لنفس هذه الصورة فان الموجود في الذهن هو ما يكون صورته ومهيته معرّاة عن العوارض وعن وجوده الأصيل الّذي هو مبدأ آثاره ولوازمه قائمة بالذهن لا ما يكون هو مع عوارضه ولوازمه قائما بالذهن وتلك الصّورة القائمة بالذهن نفسها قائمة بالذهن مع عوارضها من حيث كونها صورة لا صورة منها مجردة عن عوارضها من حيث هي صورة فهي من حيث هي وباعتبار انها شيء ما من الأشياء له آثار واحكام موجودة في الخارج فان الذهن اعني النفس الناطقة موجودة في الخارج وقد قامت بها تلك الصورة وترتبت على تلك الصورة آثارها ولوازمها ولا معنى للوجود الخارجي الا ذلك وذلك كما أن التلفظ بلفظ زيد وجود لفظي لذات زيد لكنه وجود خارجي لذلك اللفظ لا محالة وكذلك نقش هذا اللفظ في الكتابة وجود كتبي لهذا اللفظ ووجود خارجي لذلك النقش وحينئذ يظهر ان الصّورة العلمية من مقولة الكيف حقيقة لا مسامحة وتشبيها للأمور الذهنية بالأمور العينية كما ذهب إليه المحقق الدواني ولا انها مع كونها كيفا حقيقة موجود ذهني لا عيني ويمنع انحصار المقولات في الموجودات العينية كما ذهب إليه سيّد المدققين وبذلك منعا وجود الامر الثاني في كلام الفارق ولعمري ان ذلك بمعزل من التحقيق وانما أطنبنا في هذا المقام لكونه من مزال الاقدام واعلم أن المشهور ان للقائلين بالوجود الذهني مذهبين أحدهما القول بان معنى وجود الأشياء في الذهن هو حصول صورها وأشباحها الموافقة لها في بعض العوارض في الذهن كالصورة المنقوشة من الفرس مثلا في الجدار وهذا القول للقدماء وثانيهما القول بان حقايق الأشياء وماهياتها حاصلة في الذهن وهذا القول للمتأخرين فالاوّلون إذا قالوا صورة الشيء موجودة في الذهن أرادوا بها شبحه وشبيهه والآخرون يريدون بها حقيقة الشيء ومهيته وأنت خبير بان الوجود الدالة على ثبوت الوجود الذهني انما دلالتها على